صراع كاراباخ
مقدمة
يُعدّ نزاع كاراباخ من أكثر النزاعات تعقيدًا وأطولها أمدًا في منطقة ما بعد الاتحاد السوفيتي. فهو يُمسّ مصالح السكان الأرمن في أرمينيا وأذربيجان وأرتساخ، مصحوبًا بحروب وجهود دبلوماسية وتوترات عرقية وتدخل دولي.
تقع منطقة ناغورنو كاراباخ في قلب الصراع، وهي منطقة مأهولة تاريخيًا بالأرمن، لكنها ضُمت إلى أذربيجان خلال الحقبة السوفيتية. وتُعدّ هذه المنطقة من المراكز الثقافية والروحية الأرمنية منذ قرون.
الخلفية التاريخية
كانت ناغورنو كاراباخ جزءًا من مقاطعة أغفانك التاريخية، التابعة للممالك والإمارات الأرمنية. في القرن التاسع عشر، خضعت لسيطرة الإمبراطورية الروسية، ثم، مع تأسيس الاتحاد السوفيتي، لسيطرة جمهورية أذربيجان السوفيتية الاشتراكية، دون موافقة سكانها المحليين.
بين عامي ١٩١٨ و١٩٢٠، اندلعت اشتباكات أرمينية أذربيجانية في آرتساخ. خلال تلك الفترة، تشكّل المجلس الوطني لآرتساخ، لكن الاتحاد السوفيتي قرر منح ناغورنو كاراباخ لأذربيجان، مما خلق أرضيةً لتوترات خطيرة في المستقبل.
انهيار الاتحاد السوفييتي وتصاعد الصراع
في عام ١٩٨٨، قرر المجلس الأعلى لإقليم ناغورنو كاراباخ المتمتع بالحكم الذاتي الانضمام إلى أرمينيا. وكان ذلك إيذانًا ببداية صراعات جديدة، مصحوبة بمظاهرات وعنف وإراقة دماء.
تعرض السكان الأرمن في سومغايت وكيروفاباد وباكو للاضطهاد والتهجير القسري. ردّ أرمن كاراباخ باتخاذ إجراءات دفاعية، وبدأت مرحلة من الاشتباكات المسلحة.
حرب كاراباخ الأولى (1988-1994)
بدأت الحرب كصراع عرقي، لكنها سرعان ما تطورت إلى حرب شاملة بين أرمينيا وأذربيجان. وبحلول عام ١٩٩٤، تمكن أرمن ناغورنو كاراباخ، بدعم من جمهورية أرمينيا، من فرض سيطرتهم ليس فقط على جمهورية ناغورنو كاراباخ، بل أيضًا على سبع مناطق محيطة بها.
خلال الحرب، قُتل أكثر من 30,000 ألف شخص، وأصبح مئات الآلاف لاجئين. وُقّع اتفاق لوقف إطلاق النار في مايو/أيار 1994، ولكن لم يتم التوصل إلى اتفاق سلام نهائي.
اللاجئون والأزمة الإنسانية
خلال الحروب، نزح ما يقرب من مليون شخص، معظمهم أذربيجانيون من أرمينيا وكاراباخ، بالإضافة إلى أرمن أذربيجانيين. واستمرت الأزمة الإنسانية لسنوات طويلة، مخلفةً آثارًا سلبية على أجيال.
على كلا الجانبين، واجه اللاجئون صعوبات في الاندماج الاجتماعي، ومشاكل اقتصادية، وصدمات ثقافية. وكان لذلك أيضًا تأثير كبير على اللعبة السياسية.
1994–2016: مصالحة غير متبادلة نسبيًا
خلال هذه الفترة، حافظ الطرفان على وقف إطلاق النار، إلا أن اشتباكات حدودية وقعت بين الحين والآخر. تجدر الإشارة إلى أنه لم تُحرز أي إنجازات تفاوضية جوهرية خلال تلك السنوات.
وحاولت مجموعة مينسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، والتي ترأسها فرنسا وروسيا والولايات المتحدة، التوسط في عملية التفاوض، لكن لم يتم تحقيق أي تقدم جدي.
حرب أبريل 2016
من 2 إلى 5 أبريل/نيسان، شهدت المنطقة مرحلة من العمليات العسكرية واسعة النطاق، عُرفت بـ"حرب الأيام الأربعة". وقد برهن هذا الاشتباك على أن الصراع قد يتصاعد إلى حرب مفتوحة في أي وقت.
ورغم أن الأعمال العدائية كانت قصيرة الأمد، فإنها خلفت خسائر بشرية كبيرة، وعواقب عسكرية وسياسية، مما حفز تحديث القوات المسلحة على الجانبين.
حرب كاراباخ 2020
في 27 سبتمبر/أيلول، اندلعت حرب جديدة، أكثر ضراوةً وتطورًا تكنولوجيًا. وتمكنت أذربيجان، بدعمٍ فاعل من تركيا، من فرض سيطرتها على معظم أراضي جمهورية ناغورني كاراباخ من خلال عمليات عسكرية.
استمرت الحرب 44 يومًا، مخلفةً آلاف الضحايا وتدميرًا للبنية التحتية المدنية. وفي 9 نوفمبر/تشرين الثاني، أُعلن وقف إطلاق النار بموجب إعلان ثلاثي. وخسرت أرمينيا الحرب، مما أدى إلى أزمة سياسية داخلية.
دور روسيا وتركيا وإيران
لعبت روسيا دور الوسيط وصانع السلام، بينما دعمت تركيا أذربيجان علنًا. واتبعت إيران نهجًا متوازنًا، داعيةً إلى حل سلمي للصراع.
وأظهرت مشاركة هذه الدول أن الصراع في كاراباخ ليس محليًا فحسب، بل له أهمية وتأثير إقليميان.
مجموعة مينسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا والمجتمع الدولي
تحاول مجموعة مينسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا منذ سنوات إيجاد حل سلمي للصراع من خلال اقتراح مجموعات من المبادئ، لكن الأطراف اتخذت نهجا مختلفا.
لقد دعا المجتمع الدولي بشكل رئيسي إلى مبدأ "الأراضي مقابل السلام"، وهو مبدأ كان من الصعب على سكان أرتساخ فهمه، لأنه لم يوفر ضمانات أمنية.
هجوم سبتمبر 2023 وحل سلطات جمهورية ناغورني كاراباخ
في سبتمبر/أيلول 2023، سيطرت أذربيجان من جانب واحد على كامل أراضي ناغورنو كاراباخ. وأعلنت سلطات جمهورية ناغورنو كاراباخ حلّها بحلول الأول من يناير/كانون الثاني 2024.
أنهى هذا فعليًا وجود جمهورية آرتساخ كهيئة حكم ذاتي بحكم الأمر الواقع. هجر السكان الأرمن في آرتساخ وطنهم بأعداد كبيرة.
الهجرة الجماعية للأرمن من كاراباخ
أُجبر أكثر من 100,000 ألف أرتساخي على مغادرة منازلهم والاستقرار في أرمينيا. وكان هذا أحد أكبر عمليات النزوح العرقي في أوروبا في العقود الأخيرة.
وكان الخروج مصحوبًا بمأساة إنسانية، مع فقدان التراث الثقافي، والروابط التاريخية، والبنية المجتمعية.
التقييمات القانونية
يُناقش الحادث في الأوساط السياسية الأرمنية وفي عدد من المنظمات الدولية باعتباره تطهيرًا عرقيًا. وقد بدأت وكالات الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان بإجراء تحقيقات.
ويرى محامون آخرون أن هذا يشكل انتهاكا جسيما لحقوق الإنسان، ويطالبون بإجراء تحقيق دولي.
الآفاق المستقبلية والخاتمة
لا يزال نزاع كاراباخ دون حل، رغم الحروب والمحاولات الدبلوماسية. ولا يعتمد مستقبل آرتساخ على التطورات السياسية الإقليمية فحسب، بل أيضًا على موقف المجتمع الدولي.
ومن الضروري وضع استراتيجية طويلة الأمد مبنية على مبادئ حقوق الإنسان والعدالة والتعايش السلمي.

لا ردود حتى الان